علي محمد علي دخيل
703
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
لوالده ، والمعنى : انا نلحق الأولاد بالآباء في الجنة والدرجة من أجل إيمان الآباء ، لتقرّ أعين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة كما كانت تقرّبهم في الدنيا وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي لم ننقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم . ثم ذكر سبحانه أهل النار فقال كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي كل امرئ كافر مرتهن في النار بما كسب : أي عمل من الشرك ، والمؤمن من لا يكون مرتهنا لقوله : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ، فاستثنى المؤمنين وقيل معناه : كل إنسان يعامل بما يستحقه ، ويجازى بحسب ما عمله ، ان عمل طاعة أثيب ، وإن عمل معصية عوقب ، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره . ثم ذكر سبحانه ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ أي أعطيناهم حالا بعد حال ، فإن الإمداد : هو الإتيان بالشيء بعد الشيء ، والفاكهة : جنس الثمار وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي وأعطيناهم وأمددناهم بلحم من الجنس الذي يشتهونه يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً أي يتعاطون كأس الخمر ، ثم وصف الكأس فقال لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ أي لا يجري بينهم باطل ، كما يجري في الدنيا بين شرّب الخمر ، والتأثيم : تفعيل من الإثم ، يعني ان تلك الكأس لا تجعلهم آثمين وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ في الحسن والصباحة والصفاء والبياض ، والمكنون : المصون المخزون ، وقيل إنه ليس على الغلمان مشقة في خدمة أهل الجنة ، بل لهم في ذلك اللذة والسرور إذ ليست تلك الدار دار محنة . وذكر عن الحسن أنه قال : قيل : يا رسول اللّه الخادم كاللؤلؤ فكيف المخدوم ؟ فقال : والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أي يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ أي خائفين في دار الدنيا من العذاب فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ أي عذاب جهنم ، والسموم : من أسماء جهنم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا نَدْعُوهُ أي ندعو اللّه تعالى ونوحّده ونعبده إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ أي اللطيف ، وأصله اللطف مع عظم الشأن الرَّحِيمُ بعباده . 29 - 40 - ثم خاطب سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال فَذَكِّرْ يا محمد ، أي فعظ هؤلاء المكلّفين ولا تترك دعوتهم وإن أساءوا قولهم فيك فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي بإنعام ربّك عليك بالنبوة ، وهذا قسم بِكاهِنٍ وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب بطريق خدمة الجن وَلا مَجْنُونٍ وهو المئوف بما يغطى على عقله ، وقد علم الكفار أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ليس بكاهن ولا مجنون ، لكن قالوا ذلك على جهة التكذيب عليه ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذيب على أعدائهم أَمْ يَقُولُونَ أي بل يقولون شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ويكون بمعنى المنية . ثم قال سبحانه قُلْ لهم يا محمد تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أي انكم إن تربصتم فيّ حوادث الدهر فإني منتظر مثل ذلك بكم أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول ، فأزرى اللّه سبحانه بعقولهم حيث لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل . ثم أخبر سبحانه عن طغيانهم فقال أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ المعنى : ان عقولهم لم تأمرهم بهذا ولم تدعهم إليه ، بل حملهم الطغيان على تكذيبك أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ أي افتعل القرآن وتكذبه من تلقاء نفسه ، والتقول : تكلف القول ولا يقال ذلك إلا في الكذب بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أي ليس الأمر كما زعموا ، بل ثبت أنه من عند اللّه ولكنهم لا يصدقون بذلك عنادا وحسدا واستكبارا ؛ ثم ألزمهم سبحانه الحجة وتحدّاهم فقال فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ أي مثل القرآن وما